أحمد بن محمود السيواسي
44
عيون التفاسير للفضلاء السماسير ( تفسير الشيخ )
( هُدايَ ) أي شريعتي ورسلي « 1 » ، وجواب « من » ( فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ) في المستقبل من العذاب ، والخوف ضد الأمن ، وهو عدم توقع مكروه في الزمان الآتي ( وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ ) [ 38 ] على ما خلفوا من أمر الدنيا ، والحزن ضد الفرح ، وهو غلظ السرور ، فبعد وعده للمؤمنين « 2 » أوعد الكافرين فقال ( وَالَّذِينَ كَفَرُوا ) أي أنكروا برسلي ( وَكَذَّبُوا بِآياتِنا ) أي بشريعتي معهم ( أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ ) في الآخرة ( هُمْ فِيها خالِدُونَ ) [ 39 ] أي دائمون ، لا يموتون فيها ولا منها يخرجون . [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 40 ] يا بَنِي إِسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ ( 40 ) ثم خاطب اليهود الذين كانوا في حوالي المدينة من بني قريظة والنضير وغيرهم ، وكانوا من أولاد يعقوب وقال ( يا بَنِي إِسْرائِيلَ ) وهو يعقوب ( اذْكُرُوا ) أي اشكروا أو احفظوا ( نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ ) والإنعام : الإحسان إلى الحيوان الناطق كبيرا كان أو صغيرا لا غير ، فلا يقال : أحسنت إلى فرس فلان ، والمراد منه : الإحسان بارسال الرسول المبشر به في التورية والإنجيل إليهم مع الإحسان الواصل إلى أجدادهم من إغراق أعدائهم فرعون وقومه القبط في البحر ، ومن إنزال المن والسلوى في التيه عليهم وغير ذلك ، لأن المنة على الآباء منة على الأولاد ( وَأَوْفُوا ) أي أتموا ولا تتركوا ( بِعَهْدِي ) أي الميثاق الذي عاهدتموني عليه بامتثال أمري والإيمان بمحمد عليه السّلام ، والعهد : حفظ الشيء ومراعاته حالا فحالا ، والمراد منه : الموثق بين المعاهد والمعاهد ، والعهد الوصية ، يقال : عهد فلان إلى فلان بشيء ، أي أوصاه بحفظه ( أُوفِ بِعَهْدِكُمْ ) أي أتمم الذي قلت لكم من الجزاء وهو الجنة ، فالعهد يضاف إلى المعاهد والمعاهد جميعا ( وَإِيَّايَ ) ارهبوا ( فَارْهَبُونِ ) [ 40 ] أي فاخشوني من نقض العهد ، حذف الياء وأقيم الكسر مقامه ، والفاء في جواب شرط محذوف ، أي إن كنتم راهبين شيئا فارهبوني ، روي : « أن اللّه تعالى عهد في التورية بني إسرائل أني باعث نبيا أميا من بني إسماعيل ، فمن صدقه واتبعه غفرت له ذنوبه وأدخلته الجنة وأعطيه أجرين أجر اتباع موسى وأجر اتباع محمد عليهما السّلام » . « 3 » [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 41 ] وَآمِنُوا بِما أَنْزَلْتُ مُصَدِّقاً لِما مَعَكُمْ وَلا تَكُونُوا أَوَّلَ كافِرٍ بِهِ وَلا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَناً قَلِيلاً وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ ( 41 ) ( وَآمِنُوا ) أي صدقوا ( بِما أَنْزَلْتُ ) أي بالقرآن ( مُصَدِّقاً ) أي موافقا ( لِما مَعَكُمْ ) أي لما في كتابكم التورية من النبوة والتوحيد وأخبار محمد عليه السّلام ( وَلا تَكُونُوا أَوَّلَ كافِرٍ بِهِ ) أي أول فريق يكفر بالقرآن عند هذا الخطاب بالإيمان أو الضمير لمحمد « 4 » ، أي لا يكونوا أول من كفر بمحمد لقوله تعالى « فَلَمَّا جاءَهُمْ ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ » « 5 » أو تقديره : مثل أول كافر به ، يعني من أشرك به من أهل مكة وأنتم تعرفونه في التورية موصوفا ( وَلا تَشْتَرُوا ) أي لا تستبدلوا ( بِآياتِي ) أي بالقرآن والإيمان ومحمد ( ثَمَناً قَلِيلًا ) أي عرضا يسيرا من الدنيا ، وإنما وصفه بالقلة ، لأن الدنيا كلها قليل ، قيل : كان أحبار اليهود كابن الأشرف وأصحابه من علمائهم ينالون من أتباعهم وسفلة قومهم وظائف ومئاكل وكانت لهم رياسة عندهم ، يخافون أن يذهب وظائفهم ورياستهم ، لو آمنوا بمحمد وأتبعوه وهم عارفون صفته وصدقه « 6 » ، فخوفهم اللّه بقوله ( وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ ) [ 41 ] أي اخشوني في آياتي ومحمد عليه السّلام ، والتقوى : حفظ النفس عما يؤثمها ، وهنا بمعنى الخوف والخشية ، يعني من كفر به أدخلته النار . [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 42 ] وَلا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْباطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ( 42 ) ( وَلا تَلْبِسُوا ) أي لا تخلطوا ( الْحَقَّ ) الذي تعرفونه من صفة محمد عليه السّلام ( بِالْباطِلِ ) الذي تكتبونه في
--> ( 1 ) ورسلي ، س م : - ب . ( 2 ) للمؤمنين ، س م : المؤمنين ، ب . ( 3 ) عن ابن عباس ، انظر السمرقندي ، 1 / 114 . ( 4 ) لمحمد ، س م : بمحمد ، ب . ( 5 ) البقرة ( 2 ) ، 89 . ( 6 ) أخذه عن السمرقندي ، 1 / 114 .